الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

قائمة الکتاب

البحث

البحث في الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

إعدادات

في هذا القسم، يمكنك تغيير طريقة عرض الكتاب
إضاءة الخلفية
200%100%50%
بسم الله الرحمن الرحيم
عرض الکتاب

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

تحمیل

شارك

الأوضاع الملائمة لإنسان النيوليت لحل المشكلات الحياتية التي واكبت انتقاله من الترحال إلى الاستقرار ؛ والأكيد أنه أفاد من الإنجازات الحضارية المادية التي ورثها عن أسلافه ، وتحديدا النطوفيين ، الذين هجروا المغاور ، وأقاموا القرى في العراء ، حيث تبلورت ، إلى جانب الصيد ، بدايات عملية الزراعة وتدجين الحيوانات.

ويرى الكثيرون من الباحثين أن هذا الانعطاف الزراعي كان وليد الحاجة ، وجاء حلّا لأزمة اقتصادية ، نجمت عن تحوّل المناخ نحو المزيد من الجفاف ، جعل إنسان النيوليت يواجه هذه الأزمة بالبحث عن حلّ لها ، بدلا من الاستسلام لها بالرحيل. وقد نجح في توجهه هذا بفضل تضافر عوامل بيئية ، من جهة ، ومستوى حضاري مادي ودرجة من الوعي والتنظيم الاجتماعيين ، من جهة أخرى. والأكيد أن تزامن هذه التحوّلات المناخية مع ابتكارات حضارية مهمة ، لا يمكن أن يكون مصادفة ، ولا بدّ من وجود علاقة جدلية بينهما. فمن دون التناغم البيئي مع المستوى الحضاري ، وبالتالي قدرة الإنسان الفكرية على صوغ علاقة جدلية تقدمية بينهما ، لما حدثت هذه الثورة النيوليتية ؛ وهي بالتأكيد لم تحدث بصورة انقلابية حادة.

فضلا عن التفاعل بين إنسان النيوليت وبيئته ، لا بدّ من إيلاء أهمية خاصة إلى التفاعل بين الجماعات البشرية التي استقرت ، أي العلاقات الخارجية ، وإلى التناغم الاجتماعي داخل تلك الجماعات ، أي العلاقات الداخلية. فالجماعات المستقرة حددت بالضرورة مجالا حيويا لها ، وبالتالي صاغت نمطا من العلاقات مع الجوار ، سلما أو حربا. وفي الوقت نفسه ، راحت مع الاستقرار تصوغ علاقات داخلية ، أخذت بالضرورة منحى جديدا من التعاون والتنظيم وتحديد الحدود بين العام والخاص والاحتراف والتخصص ... إلخ. فالاستقرار ، ولضرورات ذاتية ، وقيود خارجية تفرضها كثافة انتشار القرى وتخومها الحيوية ، فرض على هذا الإنسان أن يبحث عن حلول للمشكلات التي تواجهه نتيجة التقلبات المناخية في الرقعة التي يسيطر عليها ، وليس بالردّ العفوي كما كان يفعل في السابق ، أي بالرحيل إلى مواقع أخرى ، سعيا لمصادر الغذاء. وبهذا يكون الاستقرار وضع قيودا داخلية وخارجية على حياة التنقل ، وأسّس لتشكل المجتمعات الحضرية.

وعندما فقد هذا الإنسان حرية التجوال بحسب فصول السنة ، بين المنخفضات والمرتفعات ، وأصبح مرتبطا بالجماعة التي يعيش بين ظهرانيها ، وبالرقعة التي راح يراكم فيها ثروته المادية ، ويقيم فيها بيته ، وينمي قطيعه ، ويزرع قطعة أرضه ، فإنه دخل مرحلة جديدة في حياته. وقد واجه إنسان النيوليت المشكلات الاجتماعية للحياة الجماعية في القرية الزراعية ، فكان لا بدّ من تشكيل سلطة ، من فرد أو أكثر ،