معالم الحج من أوزاع مضر إلى قريش فولاها منهم كعب بن لؤي بن غالب وكان يجمع الناس في كل يوم جمعة ويخطب فيه على قريش فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقول : حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ، وهو أول من فصح بالنبوة حين شاهد آثارها وعرف أسرارها من انقياد العرب إليهم تدينا بحرمهم وإعظاما لكعبتهم وكان ذلك إلهاما هجست به نفسه وتخيلا صدق فيه حدسه لأن لكل خطب نذيرا ولكل مستقبل بشيرا ، وانتهضت خزاعة في الحرم إلى خليل بن الحبشية الخزاعي ، فكان يلي الكعبة وأمر مكة ، فتزوج إليه قصي بن كلاب فاشتد به قصي وكان اسمه زيد ، فلما هلك خليل رأى قصي أنه أولى بالولاية على الكعبة وأمر مكة من خزاعة ، فاستولى عليها.
واختلف في سبب استيلائه فقال قوم : لأن خليلا أوصى إليه بذلك ، وقال آخرون بل اشتراه من آل خليل بزق من خمر ، وقال آخرون بل استنصر على خزاعة بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة القضاعي حتى أجلى خزاعة عن مكة فخلصت الرئاسة لقصي فجمع قريشا وهم في أوزاع بني كنانة فمنعت بنو كنانة منهم فحاربهم بمن أطاعه حتى أفردهم منهم وجمعهم بمكة فسمي مجمعا ، وفيه يقول شاعرهم :
أبونا قصي كان يدعي مجمعا |
|
به جمع الله القبائل من فهر |
فلما اجتمعوا أنزلهم بطحاء مكة في الشعاب ورءوس الجبال وقسمها بينهم أرباعا بين قومه وأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها وكانت إليه الحجابة والسقاية والوفادة والندوة واللواء وصارت سنّته في قريش كالدين الذي لا يعمل بغيره فزادت القوة بجمعهم حتى عقد الولاية وجدّد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل وبنى دار الندوة للتحاكم والتشاجر والتشاور ، وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بنى القوم دورهم بها فتمهدت لهم الرئاسة وظهرت فيهم السياسة فصاروا بها زعماء عبادة أنذرت بطاعة إلهية وديانة نبوية توطئة لما جدده الله تعالى منها برسوله وتأسيسا لمباديها فقاموا بالكعبة ونزهوا الحرم وتكفلوا بالحج فصاروا دياني العرب