تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

قائمة الکتاب

البحث

البحث في تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

إعدادات

في هذا القسم، يمكنك تغيير طريقة عرض الكتاب
إضاءة الخلفية
200%100%50%
بسم الله الرحمن الرحيم
عرض الکتاب

تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

فليقتصر على واحدة ، أو على ملك يمينه. فإنه لا يجب عليه القسم ، في ملك اليمين : (ذلِكَ) أي : الاقتصار على واحدة ، أو ما ملكت اليمين (أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) أي : تظلموا. وفي هذا ، إن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم ، وعدم القيام بالواجب ـ ولو كان مباحا ـ أنه لا ينبغي له أن يتعرض له ، بل يلزم السعة والعافية ، فإن العافية خير ما أعطي العبد.

[٤] ولما كان كثير من الناس ، يظلمون النساء ، ويهضمونهن حقوقهن ـ خصوصا الصداق ، الذي يكون شيئا كثيرا ، ودفعة واحدة ، يشق دفعه للزوجة ـ أمرهم وحثهم على إيتاء النساء (صَدُقاتِهِنَ) أي : مهورهن (نِحْلَةً) أي : عن طيب نفس ، وحال طمأنينة ، فلا تمطلوهن ، أو تبخسوا منه شيئا. وفيه : أن المهر يدفع إلى المرأة ، إذا كانت مكلفة ، وأنها تملكه ، بالعقد ، لأنه أضافه إليها ، والإضافة تقتضي التمليك. (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ) أي : من الصداق (نَفْساً) بأن سمحن لكم عن رضا واختيار ، بإسقاط شيء منه ، أو تأخيره أو المعاوضة عنه. (فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) أي : لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة. وفيه دليل على أن للمرأة ، التصرف في مالها ـ ولو بالتبرع ـ إذا كانت رشيدة ، فإن لم تكن كذلك ، فليس لعطيتها حكم. وأنه ليس لوليها من الصداق شيء ، غير ما طابت به. وفي قوله : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) دليل على أن نكاح الخبيثة ، غير مأمور به ، بل منهي عنه ، كالمشركة ، وكالفاجرة ، كما قال تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) وقال : (الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ).

[٥] السفهاء ، جمع «سفيه» وهو : من لا يحسن التصرف في المال. إما لعدم عقله ، كالمجنون والمعتوه ، ونحوهما. وإما لعدم رشده ، كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء ، أن يؤتوا هؤلاء أموالهم ، خشية إفسادها وإتلافها. لأن الله جعل الأموال ، قياما لعباده ، في مصالح دينهم ودنياهم. وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها. فأمر الله الولي أن لا يؤتيهم إياها بل يرزقهم منها ، ويكسوهم ، ويبذل منها ، ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية ، وأن يقولوا لهم قولا معروفا ، بأن يعدوهم ـ إذا طلبوها ـ أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم ، ونحو ذلك ، ويلطفوا لهم في الأقوال ، جبرا لخواطرهم. وفي إضافته تعالى ، الأموال إلى الأولياء ، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ، ما يفعلونه في أموالهم ، من الحفظ ، والتصرف ، وعدم التعرض للأخطار. وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه ، في مالهم ، إذا كان لهم مال ، لقوله : (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ). وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه ، في النفقة الممكنة ، والكسوة ؛ لأن الله جعله مؤتمنا على مالهم ، فلزم قبول قول الأمين.

[٦] الابتلاء هو : الاختبار والامتحان. وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد ، الممكن رشده ، شيئا ، من ماله ، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله ، فيتبين بذلك رشده من سفهه. فإن استمر غير محسن للتصرف ، لم يدفع إليه ماله ، بل هو باق على سفهه ، ولو بلغ عمرا كثيرا. فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) كاملة موفرة. (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً) أي : مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم ، من أموالكم إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم. (وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا) أي : ولا تأكلوها ، في حال صغرهم ، التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم ، ولا منعكم من أكلها ، تبادرون بذلك أن يكبروا ، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها. وهذا من الأمور الواقعة ، من كثير من الأولياء ، الذين ليس عندهم خوف من الله ، ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم. يرون هذه الحال ، حال فرصة ، فيغتنمونها ، ويتعجلون ما حرّم الله عليهم. فنهى الله تعالى ، عن هذه الحالة بخصوصها.

[٧] كان العرب في الجاهلية ـ من جبروتهم وقسوتهم ، لا يورثون الضعفاء ، كالنساء والصبيان ، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء. لأنهم ـ بزعمهم ـ أهل الحرب والقتال ، والنهب والسلب. فأراد الرب الرحيم الحكيم ، أن يشرع لعباده شرعا ، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم ، وأقوياؤهم وضعفاؤهم. وقدّم بين يدي ذلك ، أمرا مجملا ،