تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

قائمة الکتاب

البحث

البحث في تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

إعدادات

في هذا القسم، يمكنك تغيير طريقة عرض الكتاب
إضاءة الخلفية
200%100%50%
بسم الله الرحمن الرحيم
عرض الکتاب

تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

بمقتضاها. (وَكانُوا مُسْلِمِينَ) لله منقادين في جميع أحوالهم. فجمعوا بين الاتصاف بعمل الظاهر والباطن.

[٧٠] (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) الّتي هي دار القرار (أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ) أي : من كان على مثل عملكم ، من كل مقارن لكم ، من زوجة ، وولد ، وصاحب ، وغيرهم. (تُحْبَرُونَ) أي : تنعمون وتكرمون ، ويأتيكم من فضل ربكم من الخيرات والسرور ، والأفراح ، واللذات ، ما لا تعبّر الألسن عن وصفه.

[٧١] (يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ) أي : تدور عليهم خدامهم ، من الولدان المخلدين بطعامهم ، بأحسن الأواني وأفخرها ، وهي : صحاف الذهب وشرابهم ، بألطف الأواني ، وهي : الأكواب ، الّتي لا عرى لها ، وهي من أصفى الأواني ، من فضة أعظم من صفاء القوارير. (وَفِيها) أي : الجنة (ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) وهذا اللفظ جامع ، يأتي على كل نعيم وفرح ، وقرة عين ، وسرور قلب. فكل ما تشتهيه النفوس ، من مطاعم ، ومشارب ، وملابس ، ومناكح وما تلذه العيون ، من مناظر حسنة ، وأشجار محدقة ، ونعم مؤنقة ، ومبان مزخرفة ، فإنه حاصل فيها ، معد لأهلها ، على أكمل الوجوه وأفضلها ، كما قال تعالى : (لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ) (٥٧). (وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ) وهذا هو تمام نعيم أهل الجنة ، وهو : الخلد الدائم فيها ، الذي يتضمن دوام نعيمها وزيادته ، وعدم انقطاعه.

[٧٢] (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ) الموصوفة بأكمل الصفات هي (الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي : أورثكم الله إياها بأعمالكم ، وجعلها من فضله ، جزاء لها ، وأودع فيها من رحمته ما أودع. (لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ) كما في الآية الأخرى (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) (٥٢). (مِنْها تَأْكُلُونَ) أي : مما تتخيرون من تلك الفواكه الشهية ، والثمار اللذيذة تأكلون.

[٧٤] ولما ذكر نعيم الجنة ، عقبة بذكر عذاب جهنم فقال : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) إلى (كارِهُونَ). (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) الّذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم (فِي عَذابِ جَهَنَّمَ) أي : منغمرون فيه ، محيط بهم العذاب من كل جانب. (خالِدُونَ) فيه ، لا يخرجون منه أبدا.

[٧٥] و (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) العذاب ساعة ، لا بإزالته ، ولا بتهوين عذابه. (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي : آيسون من كل خير ، غير راجين للفرج ، وذلك أنهم ينادون ربهم فيقولون : (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) (١٠٨) وهذا العذاب العظيم ، بما قدمت أيديهم ، وبما ظلموا به أنفسهم.

[٧٦] (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) (٧٦) فالله لم يظلمهم ولم يعاقبهم بلا ذنب ولا جرم.

[٧٧] (وَنادَوْا) وهم في النار ، لعلهم يحصل لهم استراحة. (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) أي : ليمتنا فنستريح ، فإننا في غمّ شديد ، وعذاب غليظ ، لا صبر لنا عليه ولا جلد. (قالَ) لهم مالك خازن النار ـ حين طلبوا منه أن يدعو الله لهم أن يقضي عليهم ـ : (إِنَّكُمْ ماكِثُونَ) أي : مقيمون فيها ، لا تخرجون منها أبدا. فلم يحصل لهم ما قصدوه ، بل أجابهم بنقيض قصدهم ، وزادهم غما إلى غمهم.

[٧٨] ثمّ وبخهم بما فعلوا فقال : (لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ) الذي يوجب عليكم أن تتبعوه. فلو تبعتموه ، لفزتم وسعدتم. (وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) فلذلك شقيتم شقاوة لا سعادة بعدها.

[٧٩] يقول تعالى : (أَمْ أَبْرَمُوا) أي : أبرم المكذبون بالحق المعاندون له (أَمْراً) أي : كادوا كيدا ، ومكروا للحق ولمن جاء بالحق ، ليدحضوه ، بما موهوا من الباطل المزخرف المزوق. (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) أي : محكمون أمرا ومدبرون تدبيرا ، يعلو تدبيرهم ، وينقضه ويبطله. وهو ما قيّضه الله من الأسباب والأدلة ، لإحقاق الحقّ ، وإبطال الباطل ، كما قال تعالى : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ).

[٨٠] (أَمْ يَحْسَبُونَ) بجهلهم وظلمهم (أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ) الذي لم يتكلموا به ، بل هو سر في قلوبهم (وَنَجْواهُمْ) أي : كلامهم الخفي الذي يتناجون به ، أي : فلذلك أقدموا على المعاصي ، وظنوا أنها لا تبعة لها ولا مجازاة على ما خفي منها. فرد الله عليهم بقوله : (بَلى) إنّا نعلم سرهم ونجواهم (وَرُسُلُنا) الملائكة الكرم. (لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) كل ما عملوه ، سيحفظ ذلك عليهم ، حتى يردوا