تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

قائمة الکتاب

البحث

البحث في تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

إعدادات

في هذا القسم، يمكنك تغيير طريقة عرض الكتاب
إضاءة الخلفية
200%100%50%
بسم الله الرحمن الرحيم
عرض الکتاب

تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

بأقرب طريق موصل لذلك. وأن لا يكون القصد منها ، مجرد المجادلة والمغالبة ، وحب العلو ، بل يكون القصد بيان الحقّ ، وهداية الخلق. (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) من أهل الكتاب ، بأن ظهر من قصد المجادل منهم وحاله ، أنه لا إرادة له في الحقّ ، وإنّما يجادل ، على وجه المشاغبة والمغالبة. فهذا لا فائدة في جداله ، لأن المقصود منها ضائع. (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ) أي : ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم ، وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم ، وعلى أن الإله واحد. ولا تكن مناظرتكم إياهم ، على وجه يحصل به القدح ، في شيء من الكتب الإلهية ، أو بأحد من الرسل ، كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم ، يقدح بجميع ما معهم ، من حق وباطل ، فهذا ظلم ، وخروج عن الواجب وآداب النظر. فإن الواجب ، أن يرد ما مع الخصم من الباطل ، ويقبل ما معه من الحقّ. ولا يرد الحقّ لأجل قوله ، ولو كان كافرا. وأيضا فإن بناء مناظرة أهل الكتاب ، على هذا الطريق ، فيه إلزام لهم بالإقرار بالقرآن ، وبالرسول الذي جاء به. فإنه إذا تكلّم في الأصول الدينية ، والّتي اتفقت عليها الأنبياء والكتب وتقررت عند المتناظرين ، وثبتت حقائقها عندهما ، وكانت الكتب السابقة والمرسلون ، مع القرآن ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قد بينتها ، ودلت وأخبرت بها ، فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها ، والرسل كلهم ، وهذا من خصائص الإسلام. فأما أن يقال : نؤمن بما دلّ عليه الكتاب الفلاني ، دون الكتاب الفلاني ، وهو الحقّ الذي صدق ما قلبه ، فهذا ظلم وهوى. وهو يرجع إلى قومه بالتكذيب ؛ لأنه إذا كذّب القرآن الدال عليها ، المصدق لما بين يديه ، فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن. وأيضا فإن كلّ طريق تثبت بها نبوة أي نبي كان ، فإن مثلها وأعظم منها ، دالة على نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكلّ شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإن مثلها ، أو أعظم منها ، يمكن توجيهها إلى نبوة غيره. فإذا ثبت بطلانها في غيره ، فثبوت بطلانها في حقه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أظهر وأظهر. وقوله : (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي : منقادون مستسلمون لأمره. ومن آمن به ، واتخذه إلها ، وآمن بجميع كتبه ، ورسله ، وانقاد لله واتبع رسله ، فهو السعيد. ومن انحرف عن هذا الطريق ، فهو الشقي.

[٤٧] أي : (وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) يا محمد ، هذا (الْكِتابَ) الكريم ، المبين كلّ نبأ عظيم. الداعي إلى كل خلق فاضل ، وأمر كامل ، المصدق للكتب السابقة ، المخبر به الأنبياء الأقدمون. (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) فعرفوه حق معرفته ، ولم يداخلهم حسد وهوى. (يُؤْمِنُونَ بِهِ) لأنهم تيقنوا صدقه ، بما لديهم من الموافقات ، وبما عندهم من البشارات ، وبما تميزوا به ، من معرفة الحسن والقبيح ، والصدق والكذب. (وَمِنْ هؤُلاءِ) الموجودين (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) إيمانا عن بصيرة ، لا عن رغبة ولا رهبة. (وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ) الّذين دأبهم الجحود للحق ، والعناد له. وهذا حصر لمن كفر به ، لا يكون من أحد ، قصده متابعة الحقّ. وإلا فكل من له قصد صحيح ، فإنه لا بد أن يؤمن به ، لما اشتمل عليه من البينات ، لكل من له عقل ، أو ألقى السمع وهو شهيد. ومما يدل على صحته ، أنه جاء به هذا النبي الأمين ، الذي عرف قومه صدقه ، وأمانته ، ومدخله ومخرجه ، وسائر أحواله ، وهو لا يكتب بيده خطأ ، بل ولا يقرأ خطأ مكتوبا. فإتيانه به في هذه الحال ، من أظهر البينات القاطعة ، الّتي لا تقبل الارتياب ، أنه من عند الله العزيز الحميد ، ولهذا قال :

[٤٨] (وَما كُنْتَ تَتْلُوا) أي : تقرأ (مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً) لو كنت بهذه الحال (لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) فقالوا : تعلمه من الكتب السابقة ، أو استنسخه منها.

[٤٩] فأما وقد نزل على قلبك ، كتابا جليلا تحديت به الفصحاء البلغاء ، الأعداء الألداء أن يأتوا بمثله ، أو بسورة من مثله ، فعجزوا غاية العجز ، بل ولا حدثتهم أنفسهم بالمعارضة ، لعلمهم ببلاغته وفصاحته ، وأن كلام أحد من البشر ، لا يبلغ أن يكون مجاريا له أو على منواله ، ولهذا قال : (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ) إلى (الظَّالِمُونَ). (بَلْ هُوَ) أي : هذا القرآن (آياتٌ بَيِّناتٌ) لا خفيات. (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وهم : سادة الخلق ،